العزلة علاج مؤقت للنفس

العزلة ليست بيتاً نسكنه بل غرفة نتعافى فيها ثم نخرج
-النفس بين ضجيج الزحام والعزلة القاتلة
–الشفاء يبدأ من الوحدة ويكتمل مع الناس “ارسطو”

الوحدة هنا ليست انسحاباً من الحياة بل مساحة صامتة ترمم فيها النفس ، تهدأ فيها الفوضى ، تتضح فيها الأفكار ، تلتئم فيها الجروح الخفية ، لأن الإنسان أحيانا يحتاج أن يبتعد عن الضجيج و يسمع نفسه بصدق.. وهذا لا يحدث وسط الزحام بل في الهدوء أو بوحدة ذاتية
ولا تعتبر الوحدة علاج دائم للنفس لأن النفس لا تعيش على التأمل فقط ،كما أشار الفيلسوف ارسطو إلى أن الإنسان بطبيعته اجتماعي فالشفاء يبدأ في الوحدة لكنه يكتمل مع الناس
وهنا يظهر الخط الفاصل الخطير بين العزلة الصحية التي تعيدك للحياة و العزلة المفرطة التي تبعدك عنها
فالصياغة الأكثر نضجاً هي أن الوحدة ليست هروباً من الناس بل عودة مؤقتة إلى النفس حتى تستطيع أن تعود إلى الناس دون أن تفقد نفسك ، فالوحدة ليست هدفا بل وسيلة للترميم ، إذا استخدمتها بوعي تشفيك وإذا تماديت فيها تعزلك عن الواقع

وقد يبدو الشفاء من أن تبدأ بممارسة الوحدة لأنك وسط الناس تسمع الجميع إلا نفسك ، تتأثر أكثر مما تفهم ، لكن في الوحدة تواجه حقيقتك دون تجميل ، ترى جروحك بوضوح و تبدأ أول خطوات الفهم
ولا يكتمل علاج الوحدة إلا مع الناس ، لأن الإنسان لا يُختبر وحده ، والمشاعر لا تنضج إلا في العلاقات ، والشفاء الحقيقي يظهر في التعامل لا في التأملات والتفكير فقط
وهنا يتجسد المعنى الحقيقي لذات الإنسان ، حيث نحن لا نكتمل إلا داخل مجتمع ، فما وصلت إليه من أفكار أثناء عزلتك لا تستفيد منه إلا وسط الناس
الخطر الحقيقي لو اختل التوازن بمعني أن تبقي في الوحدة فقط ، حينئذ تصبح حكيماً نظرياً لكن عاجز عن واقع الحياة ، ولو عشت مع الناس فقط تصبح أكتر تكيف لكن غير متفهماً لنفسك داخلياً ، فالصياغة الأعمق في أن في الوحدة أفهم نفسي وفي الناس أختبرها وبين الاثنين أتعافى
العزلة علاج مؤقت للنفس

من الوحدة كعلاج إلي العزلة كمرض.. وهنا تظهرالوحدة كاختيار هادئ للابتعاد قليلا ، أما العزلة فهي انسحاب أعمق و احيانا يسودها انغلاق تام ، بمعني أن الوحدة قد تبدو استراحة و العزلة قد تكون انسحاباً ، وأن التمادي في ممارسة الوحدة يتحول إلي عزلة إجبارية واعتمادية
العزلة الاختيارية يمكن أن تكون مفيدة جدا تساعد على تنظيم الأفكار وفهم الذات ، تقلل التشتت (خصوصًا في عصر السوشيال ميديا) تزيد من الإبداع والأمل ، تقوي الاستقلال النفسي
الوحدة قد تبدو حقاً علاج لما بعد صدمة أو ضغط قوي ، خذلان ، إرهاق نفسي ، فقدان ثقة ، إرهاق ذهني ، ضغوط عملية ، مشاكل اجتماعية
فالعزلة المؤقتة هنا تحميك ، تمنع استنزافك ، تعطيك مساحة حقيقية للترميم حين تكون واعياً بها بمعني “أنا محتاج أبعد شوية.. مش أختفي”
العزلة علاج مؤقت للنفس

و تتحول العزلة إلى خطر عندما تتحول لأسلوب حياة تصبح مطمئناً فيها وتشعر بالراحة بها لدرجة ترفض الرجوع أو عندما تمنعك من المواجهة بدل من أن تعمل علي حل مشاكلك ، أو عندما تخلق فجوة بينك وبين الناس ، أو صعوبة في الثقة و توتر في العلاقات
و الحكمة الحقيقية عن الوحدة كما يقرها كثير من علماء النفس في أن الإنسان لا يكتمل إلا وسط الناس ، لكنه لا يفهم نفسه جيدا إلا عندما يبتعد قليلا عنهم ، وبحسب دراسات نفسية يُنظر إلى الوحدة أو العزلة نظرة مزدوجة “ليست شر مطلق ولا خير مطلق” ، بل تعتمد على نوعها ومدتها وسببها
فالعزلة ليست بيتاً أسكنه بل غرفة أتعافى فيها ثم أخرج ، فهي مفيدة حين تكون إرادتك و لها هدف وتنتهي بالعودة للحياة
فالشفاء ليس لحظة بل رحلة تبدأ بوحدة صادقة مع النفس و تنتهي بالقدرة على العيش مع الآخرين دون خوف أو تزييف أو تجنب ، وهناك فارق كبير له تأثير نفس واجتماعي علي الفرد فيما بين أن تكون العزلة بأختيار واعي عنها إجبار لا واعي ، ولا يكون الاختيار أن تعيش متألماً ففي الوحدة ترميم للنفس
