جوزيف سعد يكتب .. النكوص الاجتماعي و التماهي الثقافي
بقلم الكاتب والمفكر / جوزيف سعد

تظل النمطية تمثل لنا حالة الستر و الاستقرار ، فالتجديد لدينا عملية تماهي وليس أبتكار ، حيث نسرد التاريخ ولا ندرس التأريخ
لاجديد فالتجديد لدينا تقليد ، والرجوع والنكوص الفكري نهج مريح ، و النمطية أمان واستقرار ، دائما نخشي التطور الفكري ونعتبره خروج عن المألوف و عن العادات والتقاليد

التجديد لا يعني التحريف أو التجديف ، ،لكنه بصمة عصرية ولمسة جيلية نريد أن نفسح لها الطريق لمواكبة الحداثة و كسر الجمود
النكوص مصطلح في علم التحليل النفسي، يلجأ فيه الفرد إلى الرجوع أو التقهقر إلى مرحلة سابقة من مراحل العمر وممارسة السلوك الذي كان يمارسه في تلك المرحلة ، لأن بهذا السلوك كان يحقق له النجاح في تلك المرحلة العمرية، حيث كان بمثابة سلوك مريح وممتع يشعره بالأمان عن تلك الفترة .. وهكذا النكوص الاجتماعي و المجتمعي
حيث يستند المجتمع إلي أفكار الماضي وقوالب المحفوظات التي شهد عليها التاريخ بالنجاح في حينه و وقته و زمنه ، دون أن تتأرخ بعلم التأريخ و برؤية الفلسفة المعاصرة
التأريخ هو الصورة الفكرية للحضارة ومؤشر نشاط الفكر الإنساني من ماضيه إلى حاضره وما يتوقع منه في المستقبل وتخطيطه ، فهو إعادة تمثيل الحياة البشرية كما هي و عنها في ثوبها الجديد ، وإعادة رسم مظاهر النشاط البشري والفكري بتطوراته وتقدمه وتتبع مراحل هذا التطور وتفاعله
تظل النمطية بمثابة النكوص الاجتماعي ، والرجوع الفكري إلي الوراء يمثل لنا حالة الستر و الأستقرار ، لذا تعتبر نظريات التطور جسم غريب نخشاه و مصدر عن الشرود أو الخطيئة
جوزيف سعد يكتب .. النكوص الاجتماعي و التماهي الثقافي

نحن نسرد التاريخ ولا ندرس التأريخ ، علم التأريخ مضمونة دراسة الماضي البشري من خلال تحليل الأحداث والظواهر التي شكلت الحضارات والمجتمعات عبر العصور ، يهدف إلى فهم تطور المجتمعات، وتحليل أسباب الأحداث ، وتقديم تفسيرات للأحداث المستجدة والطفرات المستقبلية
يعد التماهي أو التقمص عملية سيكولوجية يُشابه أو يُحاكي من خلالها الفرد جانباً أو خاصية أو سمة لدى الآخر ، ويتحول بشكل كلي أو جزئي من خلال النموذج الذي يقدمه ذلك الآخر ، ويحدث ذلك عن طريق سلسلة من التقمصات التي تُؤسس عليها أو تُحدد من خلالها الشخصية ، وبالفعل نماهي ونحاكي الثقافات الآخري حين نُريد صناعة القرار ، وعن محاكاة النكوص و التماهي نبقي في نفس المكان والزمان
وإذا باتت في النية والقصد محاولة التجديد فالنهج والأسلوب هو التقليد ، حيث الاقتباس و ليست محاولات الإبتكار وجرأة التفكير أو كسر القاعدة النمطية السائدة ، فالجميع يتبع التقليد الاعمي للثقافات المجاورة عن المراجع والكتب و القراءات ، دون أتاحة فرصة التعبير عن الرؤية الفلسفية المعاصرة للقراءة بالنسبة للمثقف أو المفكر أو الفيلسوف أو أي وجه نظر حديثة تطابق الأجيال
التجديد لدينا عملية تماهي ليس ابتكار للأفكار ، حيث لدينا اذنين صاغيتين مراقبتين لكل جديد و محاولة تقليده والتأثر به ، دون إنتاج محلي من الأفكار و اتخاذ خطوات ذاتية تبثُ الثقة بالنفس لبلوغ الإبداع ، وقد يكون سبب التحجر عن ذلك هو قدسية الموروثات التي أتاحت الجمود الفكري والتيبس الثقافي واغلق لدينا عقلية الخلق والإبداع
جوزيف سعد يكتب .. النكوص الاجتماعي و التماهي الثقافي

” أنتم أعلم بشئون دنياكم ” دعوة صريحة عن التجديد و الترميم والتحديث و البعد عن التماهي و النكوص ، فعلينا إن نتغير بطبيعة حال التطور الطبيعي للمجتمعات
لقد اختلفت الرؤى الفلسفية لمفهوم الجهل عبر العصور ، حيث لم يعد يُنظر إليه مجرد نقص في المعرفة، بل أصبح يشمل جوانب أعمق مثل الجمود الفكري، والتحيز، واللامبالاة ، إلي أن وصل نحو الجهل المتعمد عن التقليد والتماهي و عن النكوص الموروثي للسلوكيات الاجتماعية
ذلك نفتقد صناعة الفلسفة بأنفسنا ونعجز عن صناعة المحتوي نظراً عن” النكوص و التماهي” اللذان يشملا مفهوم «الجهل» في حد ذاته ، فإذا أصيب الشئ بالجمود أصبح جهلاً ، والجمود هو غياب المرونة الفكرية في تجديد قيمة الشئ توافقاً مع المتغيرات ، وكسر الجمود هو إنتشال من الجهل
كم من مظاهر سلوكية وافكار عتيقة عبر عصور وأزمنة ماضية تبقي باقية في الذهن الثقافي والاجتماعي إلي الآن؟
وحين نريد التحديث و كسر العتيق يبقي التقليد والتقمص الخيار الأول المتاح أمامنا ، وتغيب شمس الفلسفة الذاتية الخلاقة عن صناعة المحتوي والقرار
فقد اعتادنا عن ضعف الثقة بأنفسنا وبقراراتنا لاعتيادنا عن النكوص الاجتماعي و التماهي الثقافي في سير حياتنا الاجتماعية والثقافية و قدسية المرجعية التاريخية دون فحص وتمحيص لصناعة مستقبل حديث ومشرق
وكما تقاس مكانة الدول و الشعوب بمقدار تقدم صناعة المنتجات و تطورها ، هكذا تقفز المجتمعات بتطور صناعة الأفكار الفلسفية بذاتها دون النكوص والتماهي والرجوع إلي برواز الموروثات
فالذي يخشي التجديد ينظر إلي التاريخ ويقوم بتكراره ، و حيثما يظل تناولنا التاريخ بهذا الشكل والاسلوب والتقليد ، يبقي عقبة تجاه علم التأريخ وقفزات التطور لنظل و نبقي محلك سر

التعليقات مغلقة.