“الشحاتة الإلكترونية تحت غطاء الدعم” 16 مايو 2025
منه عيسي خميس / شبكه اخبار مصر الان
“الشحاتة الإلكترونية تحت غطاء الدعم” 16 مايو 2025
بقلم / منه عيسي خميس
في وقتٍ أصبح فيه “تيك توك” ساحة من ساحات الشهرة السريعة، ومع دخول جيل كامل في دائرة التفاعل المستمر على هذه المنصة، أصبحنا نشهد تحولًا جذريًا في مفاهيم العمل والشرف والقيم الاجتماعية.
كان هذا التطبيق في البداية مجرد وسيلة للترفيه، لكنه تحوّل إلى أداة لتمويه الحقائق، ورفع صور مشوهة للنجاح، حتى أصبح يشكل تهديدًا حقيقيًا على العادات والتقاليد في مجتمعاتنا.

عندما بدأت منصات التواصل الاجتماعي في التوسع، كان من المتوقع أن تساهم في تبادل الثقافات وتعزيز التواصل بين الأفراد. ولكن مع “تيك توك”، نجد أن الظواهر الغريبة على مجتمعاتنا أصبحت تروج بشكلٍ مبالغ فيه.
الشباب أصبحوا يتابعون تحديات وتقليد سلوكيات غريبة، وتفاصيل حياتية لا تمت بصلة لواقعهم.
كيف لثقافة حقيقية أن تتأثر بمقاطع فيديو تحوي مشاهد عبثية لا هدف لها سوى تحقيق مشاهدات سريعة؟ من الملابس الغريبة إلى سلوكيات غير لائقة، أصبح الشباب يتبعون ما يراه “تريند” دون إدراك أنه لا يتوافق مع ثقافتهم أو قيمهم.
من أكثر الظواهر المثيرة للجدل على “تيك توك” هي العبارات السخيفة التي أصبحت شائعة، مثل “كبسو كبسو”، “واه الشارع ال وراه”، وغيرها من العبارات التي انتشرت بسرعة، وأصبحت مصدر شهرة لبعض الأشخاص.
هذه العبارات ليست مجرد كلمات عبثية، بل تمثل جزءًا من “التريند” الذي يساهم في تشكيل وعي الجيل الجديد.
الشهرة لا تأتي من موهبة حقيقية أو ابتكار، بل من خلال تكرار عبارات فارغة أو تقليد سلوكيات لا معنى لها، مما يجعل البعض يتساءل: هل الشهرة أصبحت مرادفًا للكلام الفارغ؟

“الشحاتة الإلكترونية تحت غطاء الدعم”
لنكن صريحين، أصبح “تيك توك” أرضًا خصبة لما يُسمى بـ “الشحاتة الإلكترونية”، حيث يتم كسب المال من خلال الجولات والتحديات التي لا تتورع عن إهانة الأشخاص والتقليل من شأنهم.
هذه التحديات التي أصبحت سمة بارزة على المنصة، ليس لها أي هدف سوى جذب الانتباه وتحصيل المال، حتى وإن كان ذلك على حساب الكرامة.
الشابات والشباب الذين يتورطون في هذه الجولات يظنون أن طريق الشهرة يمر عبر الإهانة والاستخفاف، متناسين أن النجاح الحقيقي لا يأتي من التلاعب بالعواطف أو إهانة الذات.
هناك أيضًا بعض الفتيات اللاتي يلجأن إلى ارتداء ملابس لا تليق بالظهور أمام الناس، فقط من أجل لفت الأنظار وكسب المال والشهرة، دون أي اعتبار للقيم المجتمعية أو لكرامتهن الشخصية.

كانت الحياة دائمًا مرتبطة بجدّ الإنسان وعمله الشاق.
العمل كان دائمًا هو الأساس لبناء أي شخص على مستوى حقيقي.
لكن مع السيل الجارف لمحتوى “تيك توك”، بدأ مفهوم العمل الشريف يتلاشى تدريجيًا.
أن تجد شخصًا يُشهر نفسه على السوشيال ميديا ويحصل على دعم مادي لا يتناسب مع ما يقدمه من محتوى، يعكس حالة من الانحراف عن القيم التي تربينا عليها.
في الماضي، كانت قيمة الإنسان تقاس بمدى اجتهاده، أما اليوم فأصبح “التريند” هو المعيار.
“الشحاتة الإلكترونية تحت غطاء الدعم”
وراء تلك المشاهد التي يروج لها “تيك توك”، تكمن فجوة أخلاقية تنمو بشكل مخيف.
من تحديات العنف اللفظي والجسدي، إلى رقصات تافهة تروج لفكرة أن الشهرة تُحصل بسهولة، أصبح “تيك توك” مكانًا تروج فيه بعض الظواهر التي تضر بالقيم الأخلاقية للمجتمع.
بينما في الماضي، كان من المفترض أن يكون فيه الإنترنت ساحة تعليمية وبحثية، نجد أن “تيك توك” أصبح منبرًا لتشجيع السلوكيات التي لا تنسجم مع هوية المجتمع.

وبالرغم من أن “تيك توك” يساهم في نشر بعض المحتوى المفيد، إلا أن الدراسات تشير إلى أن المحتوى التعليمي والمفيد لا يشكل سوى 16.1% من إجمالي المحتوى على المنصة.
وهذا يعكس الفجوة الكبيرة بين المحتوى الذي يُفيد المجتمع وبين ما يتم ترويجه من سلوكيات ومحتوى يساهم في نشر ثقافة غير مفيدة.
إن الهجوم الثقافي الذي يقدمه “تيك توك” لا يُحسن سوى زعزعة استقرار القيم الاجتماعية، مما يستدعي الوقوف أمام هذا المد غير المبرر.
علينا أن نعيد التفكير في دور هذه المنصات في حياتنا، وكيف يمكن أن نستفيد منها دون أن نفقد هويتنا أو قيمنا.
التسلية والمرح لا يعاكسون الأخلاق، لكن عندما تسيطر الفوضى على المشهد، يجب أن نكون يقظين لخطورة ما يحدث. لا يجب أن نتخلى عن مفهوم العمل الشريف، الذي لا يُقاس بالشهره، بل بالمجهود والإبداع الحقيقي.
في النهاية، يبقى السؤال المهم: هل نريد أن نعيش في عالم يعتمد على “الشحاتة الرقمية”، أم في عالم يُعزز العمل الجاد ويدعم القيم الإنسانية التي تشكل الأساس لكل نجاح حقيقي؟
التعليقات مغلقة.