جوزيف سعد يكتب.. أخلاق قابلة للتفاوض
كتب جوزيف سعد – شبكة أخبار مصر الآن

زمن تقاس الأخلاق فيه بما تحققه من مكاسب وليست ما تنتجه من قيم
أخلاق قابلة للتمدد والانكماش حسب الحاجة
الأخلاق القابلة للتفاوض ليست مجرد فكرة عابرة، بل توصيف دقيق لزمن أصبحت فيه القيم خاضعة للمنفعة لا للمبدأ
في الأصل الأخلاق كانت تُفهم باعتبارها ثابت إنساني كما طرحها الفيلسوف” إيمانويل كانط” حين رأى أن الفعل الأخلاقي يجب أن يكون نابعاً من الواجب لا من المصلحة ،لكن في واقعنا المعاصر تحولت الأخلاق إلى ما يشبه “عقد مرن ” يُعاد صياغته وفق الظروف
لم يعد السؤال.. هل هذا صواب؟ بل أصبح هل هذا مفيد؟ وهنا تظهر ملامح الأخلاق القابلة للتفاوض في ازدواجية السلوك من وجه للمصلحة و وجه للقيم
وهكذا اصبح الإنسان العصري بوجهين:
وجه أخلاقي يُعرض في العلن و وجه نفعي يُمارس في الخفاء ، حيث تدخل الأخلاق إلى غرفة التفاوض، لا تخرج كما كانت بل تخرج أقل صلابة وأقل وضوح
نحن في مرحلة تسييل المبادئ فالقيم لم تعد صلبة، بل قابلة للتمدد والانكماش حسب الحاجة ، مثل تبرير الانحراف لم يعد الخطأ خطأ مطلقاً ، بل ضرورة أو ظرف ، وهنا يظهر تغليب النتيجة على الوسيلة ، وهي فكرة قريبة من مبدأ “الغاية تبرر الوسيلة”.
جوزيف سعد يكتب.. أخلاق قابلة للتفاوض

أصبحت الأخلاق قابلة للتجزئة فالصدق يصرح به حين لا يضر ، والوفاء حين لا يكلف ، و التمسك بالمبادئ حين لا تعيق الطريق
لكن الأخطر من ازدواجية السلوك هو التصالح معها ، حين يبرر الإنسان انقسامه ، ويتعامل معه كذكاء اجتماعي لا كأزمة أخلاقية ، هكذا تتآكل الأخلاق من الداخل ، لا لأنها سقطت فجأة بل لأنها تكيفت أكثر مما يجب
تصرف كما لو أن فعلك سيصبح قانوناً عاماً للجميع.. لكن في زمن السرعة والضغوط، تبدو هذه المثالية وكأنها رفاهية ، فأصبح الإنسان اليوم لا يسأل “هل هذا صواب ؟ ” بل هل أستطيع تحمل عواقب هذا الصواب؟”
وهنا المأزق الحقيقي حين تصبح المنفعة هي المعيار الوحيد ، لا تعود الأخلاق مرشدا بل عبئاً يجب التحايل عليه.
الأخلاق بلا منفعة قد تكون مثالية يصعب تطبيقها ،لكن المنفعة بلا أخلاق قد تتحول إلى فوضى مبررة
وأخطر ما في الأمر ليس أن يختار الإنسان بين الأخلاق و المنفعة بل أن يقنع نفسه أن مصلحته هي الأخلاق نفسها ، فالمفهوم عن قيمة الأخلاق قد تغير وأصبحنا لا نعاني ازمة أخلاق بل أزمة قيم
جوزيف سعد يكتب.. أخلاق قابلة للتفاوض

و يبدو عن مستقبل الأخلاق في زمن المتغيرات سوف لا يكن لها انهياراً ولا ثباتاً أو تأثيراً كما في الماضي ، وذلك في عهد التكنولوجيا والميديا والذكاء الاصطناعي بل ستكون دائما صراعاً عن بقائها مابين القيم والمصلحة ، و مابين الحقيقة والتأثير و الفرد والمجتمع ، ونعيش عصر الأخلاق في زمن المنفعة
وقد نصل في النهاية إلي مرحلة تصبح فيها الأخلاق نفسها مهارة يتقنها البعض ويوظفها للموقف ، بدل أن تكون مبدأ يؤمن به
ومع ذلك يبقى السؤال الأكثر قسوة.. هل نحن نعيد تعريف الأخلاق .. أم نعيد تبرير انحدارنا ؟
